أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

136

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

التمنيّ كالمبدأ للكذب ، فعبّر به عنه ، وعليه فسّر مجاهد إِلَّا أَمانِيَّ إلا كذبا ، ومنه قول عثمان رضي اللّه تعالى عنه : « ما تعنيّت ولا تمنّيت منذ أسلمت » « 1 » . وقوله تعالى : إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ « 2 » . التمنّي هو التلاوة ، قال الشاعر يرثي عثمان « 3 » : [ من الطويل ] تمنّى كتاب اللّه أول ليلة * وآخرها لاقى حمام المقادر وقد ذكروا في التفسير والأسباب عند هذه الآية ما لا ينبغي ولا يجوز اعتقاده ، وقال الراغب « 4 » : قد تقدّم أنّ التمنّي كما يكون في تخمين وظنّ فقد يكون عن رويّة وبناء على أصل . ولما كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كثيرا ما يبادر إلى ما نزل به الروح الأمين على قلبه حتى قيل له : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ « 5 » سمّى تلاوته على ذلك تمنّيا ، ونبّه أنّ للشيطان تسلّطا على مثله في أمنيّته ، وذلك من حيث بيّن أنّ العجلة من الشيطان ، انتهى . قوله : إنّ للشيطان تسلّطا . . إلى آخره كلام صعب لا ينبغي ولا يجوز قوله ، ولذلك ذكرته منبهة عليه . وأحسن ما قيل في ذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا تلي قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى « 6 » قال : « الشياطين تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترجى » « 7 » . فلما سمع قومه ذلك من الشيطان ، وسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في آخرها سجدوا معه ظنّا منهم أنه هو القائل لذلك . ولا غرو في ذلك فلله تعالى أن يمتحن عباده بضروب من المحن . وأمّا ما يروى أنّه هو عليه الصلاة والسّلام القائل لذلك ، من وسوسة على سبيل الغلط فحاشا للّه ، بل الشيطان هو القائل المسمع للناس . فلما عرف النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك أكذبه وعرّف الناس أنّ الشيطان هو الذي قال ذلك فتنة واختبارا ، ليزداد المؤمنون إيمانا والمنافقون شكا وامتحانا .

--> ( 1 ) النهاية : 4 / 367 . ( 2 ) 52 / الحج : 22 . ( 3 ) البيت مذكور في النهاية : 4 / 367 ، واللسان - مادة مني ، وفيه : أول ليله . . وآخره . ( 4 ) المفردات : 476 . ( 5 ) 114 / طه : 20 . ( 6 ) 19 و 20 / النجم : 53 . ( 7 ) النهاية : 3 / 364 ، وفيها أن الغرانيق هاهنا الأصنام ، وهي في الأصل الذكور من طير الماء .